محمد بن جعفر الكتاني
80
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
الرجل المذكور وقال له : « إن السلطان أرسلني إليك وهو يقول لك : ادفع إلي الأمانة التي عندك ! ! » . فاصفر وجهه اصفرارا عظيما ولم يجاوبه بكلمة ، ثم إنه أعاد عليه القول ؛ فلما كان في المرة الثالثة أو الرابعة ؛ قام الجائي المذكور إليه ، وأخذ إحدى يديه ، وجعلها في كمه ، ومسح به ظاهرها وباطنها ، وجمع كمه إليه كأنه حامل شيئا ، وخرج بحاله ولم يعاود المجيء إليه ؛ فانقلب حاله من ذلك الوقت ؛ فعلمت بعد ذلك بقرينة الحال أنه سلبه بإذن من مولانا إدريس . إذ هو السلطان عندهم ، نعوذ باللّه من ذلك . ولهذه الحكاية نظائر أضربنا عنها مخافة الطول . ومنها : أنها أرض أسلم عليها أهلها ولم تفتح عنوة ولا صلحا . كما ذكره فقيه فاس وصالحها وأحد الأوتاد بها ؛ وهو : الشيخ أبو جيدة بن أحمد . دفين خارج باب بني مسافر أحد أبواب فاس . ومنها : أنها فيما قبل هذه الأزمنة بكثير ، وفيما أدركناه منها خالية من سكنى الكفار بها . فكان لا يسكنها كافر فضلا من اللّه ومنة ، فكانت بذلك مشابهة للحرمين الشريفين صانهما اللّه عزّ وجل بمنه ، ثم إنه حدث في هذا الوقت نزولهم في بعض دورها ، وحلولهم في غير مكان من أمكنتها ، ونطلب اللّه تعالى أن ينفيهم عنها نفيا شديدا ، ويخرجهم منها إخراجا مبيدا ، إنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير . . . آمين . ومنها : أنها قاعدة بلاد المغرب ، وقطبها ومركز دائرتها قديما وحديثا . قال سيدي ابن عباد في رسائله : « فاس هي أم البلاد المغربية ، وواسطة عقدها ، ومنها يسري الصلاح والفساد إلى غيرها . . . » . ومنها : أن ملوكها وملوك غيرها من سائر الأقطار المغربية لا يكونون في الغالب وعند عدم التغلب ، إلا من الأشراف آل البيت رضي اللّه عنهم ، وناهيك بذلك . ومنها : أنه أقبر بها وبما هو في حكمها مما هو قريب منها جماعة كثيرة لا تحصى ولا تكاد توجد في غيرها [ 78 ] من العلماء والأولياء والصالحين الأخيار ، والأقطاب والأشراف آل البيت . حتى قيل : « إنه لا يكاد يوجد شبر منها إلا وهو معمور بولي للّه عزّ وجل . . . » . ومنها : أنها حسنة الزي كثيرة المياه ، وماؤها من أطيب المياه وأعذبها ، ثم إنه يدخلها ويتفرق في جميع أماكنها حتى ينتفع به أهلها ، ثم يخرج ما فيها من الأذى ، وبذلك قل نظيرها في المشرق والمغرب . . .